الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

444

نفحات الولاية

من الكآبة والحزن ، ذلك لأنّ السكوت أساس نجاة اللسان من أغلب الآفات ، بالإضافة إلى كونه يدعو إلى التفكر في أمور الدين والدنيا ، جاء في الحديث النبوي الشريف : « طُوبى لِمَنْ . . . أنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مالِهِ وأمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ » « 1 » . كما أنّ المتقي لا يضحك بصوت عال ويقهقه في ضحكه ، لأنّ القهقهة من عادات الأثرياء المغرورين والأفراد الفارغين ، قال أمير المؤمنين عليه السلام في غرر الحكم : « خَيْرُ الضَّحِكِ التَّبَسُّمُ » . والعبارة : « وإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ . . . » إشارة إلى أنّه أحياناً قد يمارس بعض الأصدقاء والقرابة وربّما حتى الاخوة ظلماً بحقّ الإنسان بحيث لوهب للانتقام لنشبت نزاعات مستمرة قد تنتهي إلى ما لا يحمد عقباه ، فإنّ اعتمد الإنسان في ظلّ هذه الظروف التحمل واستيعاب الآخر وسلم الطرف المقابل للَّه‌يكون قد أنقذ نفسه من الوساوس الشيطانيّة الخطيرة ، كما يكون قد حافظ على حالة الهدوء والاستقرار في المجتمع ، طبعاً ليس المراد من هذا الكلام العدوالغادر والقاسي ، ذلك لأنّ مثل هذا التحمل والسكوت يدعوه لمزيد من الظلم والطغيان . ثم أشارالإمام عليه السلام إلى أربع صفات أخرى تكمل كلّ واحدة منها الأخرى فقال : « نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء . والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة » . أي أنّه يتحمل المزيد من العناء بغية استقرار المجتمع ، مثلًا لو ظهرت بعض المشاكل في المجتمع جهد نفسه وتحمل بعض المشاق لحل تلك المشكلات بغية إراحة المجتمع فالواقع أنّ هذا نوع من الإيثار والتضحية يعمد بموجبه الإنسان إلى تحمل بعض المشاكل الاجتماعيّة من أجل راحة خلق اللَّه . وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ العبارة الثالثة والرابعة « أَتْعَبَ نَفْسَهُ . . . » بمثابة الدليل على العبارتين السابقتين ؛ أي إن كانت نفسه في عناء من جانبه فذلك لأنّه يسعى دائماً للاستعداد والتزود للدار الآخرة ، وإن كان الناس منه في راحة

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 144 .